هل نتوهم التأثير؟

هل نتوهم التأثير؟

منذ أن بدأت الأحداث في سوريا وحتى يومنا هذا، تضاعفت ساعات متابعتي لما يجري على الأرض. لم تكن المتابعة بدافع الفضول أو نقل الخبر، بل كانت محاولة لفهم سلوك الناس في مواجهة الأحداث: كيف يتعاملون معها؟ ما طبيعة منشوراتهم؟ كيف يردّون على بعضهم؟ ما نوع التحليلات التي يتبنونها؟


كنت أتابع الجميع دون استثناء، أصدقاء، صفحات عامة، أفراد من مختلف الاتجاهات. كان هدفي أن أرى الصورة كاملة، أن أفهم المحرك الخفي خلف هذا السلوك الجمعي في لحظات الانفعال الجماعي.
لكن للأمانة، هذا النوع من المتابعة مرهق، بل مستنزف. وربما يشعر كثيرون منكم بهذا الإنهاك، لأن التعرض المستمر للأحداث والنقاشات المستعرة يجعلنا في حالة توتر دائم، وتضخم في الإحساس باللاجدوى، وكأننا نعيش في حلقة مغلقة لا تنتهي.


ورغم هذا، فإن ما كنت أبحث عنه دومًا هو المحرّك الأساسي: ما الذي يجعل سلوك الناس يتكرر بنفس الطريقة؟ ما الذي يمنعهم من التحرك في اتجاه فعّال ومنتج؟
وهنا تبرز فكرة محورية:


نحن نستهلك جهدنا في أماكن لا نملك فيها تأثيرًا حقيقيًا.


نحاول تغيير المشهد هناك… في أماكن بعيدة عنا، خارجة عن نطاق سيطرتنا. نصرخ، نحلل، ننتقد، نضع الخطط… ثم نصطدم بجدار العجز. ويولد هذا الإحساس بالعجز إحباطًا يقود إلى انتقاد كل من يعمل هناك، وكأننا نقول: “لو كانوا يفكرون مثلنا لحُلّت الأزمة”.


لكن ماذا لو بدأنا التغيير من حيث نحن؟
من الدوائر الصغيرة التي نملك تأثيرًا فيها؟
من الحي، من مكان العمل، من الفريق التطوعي، من العائلة، من الجامعة، من أي مساحة نحسن الحراك فيها؟


حينها فقط سيتغير المشهد. لأن التغيير الحقيقي لا يبدأ من قمة الهرم ولا من صراخ على الأطراف، بل من داخلنا، من وعينا بدوائر تأثيرنا، ومن العمل المنظم ضمن رؤية كبرى مشتركة.
وإن كنا نطمح لتوسيع هذه الدائرة، فعلينا أن نعمل أكثر، ونجتهد أكثر.


فالنفاذ إلى الميادين الكبرى لا يكون بالتمنّي، بل بالجدّ والمراكمة والتأثير الحقيقي في محيطنا. حينها فقط سنتقدم بخطوات واثقة نحو ساحات أوسع، وسيصبح لصوتنا قيمة ووزن. أما دون حراك، فلن يكون هناك تغيير… فقط ضجيج، واستنزاف، ومزيد من الإحباط.


لو أننا نبدأ العمل، كلٌّ من موقعه، وكلٌّ ضمن ما يقدر عليه، ولكن وفق رؤية موحدة لما نريد أن نصل إليه كأمة، لكنّا الآن في موضع مختلف تمامًا.
فليس المطلوب أن “نغيّر كل شيء”، بل أن نُحدث فرقًا حقيقيًا في ما نستطيع تغييره، أن نُشعل شمعة بدلاً من أن نلعن الظلام، وأن نتوقف عن التهكم على من يعمل في ميادين لا نملك أن نطأها.

بهذا فقط .. نصنع الفرق

تابعني على وسائل التواصل الاجتماعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *