الإنجاز بين العرض والاستعراض

الإنجاز

قبل أسابيع قليلة وضعتُ تساؤلاً في قسم القصص (ستوري) على إنستجرام أتساءل فيه عن مدى صحّة وقيمة ما نشاركه مع الآخرين، وخصوصاً ما يتعلّق بإنجازاتنا العملية من الدورات التعلمية أو الشهادات التي نحصل عليها.

وكان السؤال الجوهري يتمحور حول أمرين:

هل الدافع وراء النشر هو هوى النفس وحبّ الإعجاب والاستعراض؟

أم أنه رغبة في تشجيع الآخرين وإبراز المهارات والقدرات في عالمٍ باتت فيه العلاقات تبنى عبر وسائل التواصل؟

تلقيتُ آراءً كثيرة، اتفقت في معظمها على أن الإخلاص في النيّة هو المعيار الأهم، وأن التوازن مطلوب في الظهور الرقمي؛ فليس من الحكمة أن نغيب تمامًا عن الفضاء العام، ولا أن نحضر فيه حضور المتفاخرين.

وشدّد كثيرون على ضرورة أن نكون واعين لتأثير هذه المنصّات على نوايانا، فهي بيئة تدفع بطبيعتها نحو مقارنة والاستعراض، كما رأى بعضهم أن النشر حاجةٌ إنسانية لإشباع رغبة التقدير والثناء، شريطة ألا يصبح رضانا الذاتي مرهوناً برأي الآخرين.

كتاب موت الأسرار

في تلك الأثناء، عدتُ إلى كتابٍ كان ينتظر دوره على رفّي بعنوان «موت الأسرار: البحث عن الذات في العالم الرقمي»، أبحث فيه عن إجابات أعمق.

الكتاب هو دعوة عامّة للتأمل في الأسباب حول ميل الناس اليوم للإفصاح الذاتي والمفرط، والتعرّي الطوعي وتسليع اليوميات، وتطبيع التلصّص. إذ استخدم الكاتب الإطار النفسي التحليلي كإطار عام لنقاش الموضوع، كما استعان بمجالات أخرى متعددة لتوضيح الصورة مثل علم الاجتماع والإعلام الرقمي.

في ذلك اليوم سألني أحد الأصدقاء: “هل وجدتَ فيه جواباً لتساؤلاتك؟”

فأجبته آنذاك: “نص نص”، لأن الأفكار كانت لا تزال تتخمّر في ذهني.

لكن بعد حين من التأمل والمراجعة، أستطيع القول إن الكتاب لم يقدّم لي الإجابات التي كنت أبحث عنها فحسب، بل فتح لي أبواباً أوسع في فهم الدوافع الخفية وراء سلوكنا الرقمي.

الخلاصة

وخلاصة ما وصلتُ إليه — في ما يخص تساؤلاتي لا مجمل أفكار الكتاب — أن الاعتدال هو الطريق الأمثل:

الذي هو وسط بين الإفراط والتفريط، أن لايصل الأمر حد الرياء، ولا أن نكون غير مرئيين.

وأن نحذر من اللحظة التي تتحوّل فيها حياتنا الخاصة إلى سلعةٍ عامةٍ معروضةٍ للتداول، لأن الإفراط في كشف التفاصيل الشخصية ينشأ — في كثير من الأحيان — من نفور الإنسان من المجهولية، وفراره من خمول المكانة، ومن اعتقاده أن كل ما يعيشه ذو أهمية تستحق المشاهدة.

ولكي نهذّب هذه النزعة ونضعها في موضعها الصحيح، علينا أن نجدد الإيمان بالله سبحانه وتعالى ونستحضر يقيننا بإطلاعه التام على ما في قلوبنا، فنستغني بذكره عن ضجيج الإعجابات، ونطلب رضاه قبل رضا الناس.

والحمد لله رب العالمين.

تابعني على وسائل التواصل الاجتماعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *