
قبل عامٍ من الآن، وفي مثل هذه الأيام، كنتُ كلما جلست مع الأصدقاء نطمئنّ على أحوال بعضنا، ينتهي مجلسنا مجمعين على أنّا قد تعبنا ويئسنا، وفقدنا الأمل من كل شيء. كلٌّ منّا يفتّش يمنةً ويسرةً عن حلٍّ سحريّ ينتشله من الحال التي هو فيها، وترى في وجوهنا آثار الإرهاق والتعب من السعي إلى المجهول؛ تعيش في بلدٍ غريبٍ عنك، لست مقبولاً فيه، حبيساً في بقعة صغيرة، لا تستطيع الحراك دون أخذ إذن سجانك.
المحظوظ بيننا كان يود السفر لبلاد بعيدة لعلّه يجد ما يغيّر حياته، وأما بقيتنا فمنهم من قرر أن يخاطر ويركب البحر باحثاً عن ملجأ يعينه ريثما يلملم شتات نفسه، ومنهم من اختار العودة إلى ما تبقّى من وطنه المتعب، مفضّلاً أن يعيش في قبوٍ متهالك على أن يظل تائهاً حيث يقيم، وهناك من توقّف عن التفكير أصلاً، وظلّ يصارع في مكانه يعيش كل يوم بيومه، لا يريد من هذه الحياة سوى أن تتركه وشأنه ليعيش ما تبقّى من عمره بسلام.
حتى إننا ما عدنا نهتم لما يحصل في بلادنا ولا في بلاد المسلمين، كنّا نتعاطف مع المستضعفين والمظلومين بالحد الأدنى؛ فكيف لمستضعفٍ أن ينصر أخاه المستضعف؟ اعتدنا كل شيء: أخبار الموت، والحرب، والدمار، وكدنا أن نستسلم ونسلّم ما تبقّى لدينا من أمل لأول من يأتي بعصاً رفيعة يزعم أنّه سيجرّنا نحو الخلاص.
إلى أن ظهر ذلك الوجه المنير بكلماته الرصينة المتقنة، وخطابه الواثق معلناً بدء معركةٍ ستغيّر وجه التاريخ إلى الأبد. ظننّاها ـ نحن اليائسين آنذاك ـ معركةً كغيرها؛ هدفها إشغال الميليشيات وفرض شروط سياسية جديدة لتغيير قواعد اللعبة في المنطقة. وكعادتنا بدأنا النقاشات والتحليلات، جازمين بعدم جدوى ما يحدث، قاطعين كل طريقٍ أمام الآمال التي ما لبثنا نتشبّث بها ثم تعود فتنكسر.
لكن وقع السيوف هذه المرة كان أشدّ وأسرع من كل ما قيل ويقال، وأزيز الرصاص عاجلنا قبل أن نلتقط أنفاسنا، فأخذ كل واحد منّا يتنبأ النتائج والمآلات. ورغم ذلك، كان أكثرنا تفاؤلاً يقول: “يبدو أننا سنستعيد حلب قريباً”، مع تشكيك الآخرين فيما يقول. لكن هذا ما حصل فعلاً؛ تحررت حلب، وتحررت معها قلوبنا، وعاد للعيون بريقها.
حينها لزمنا الشاشات لا نفارقها، نتابع كل خبرٍ وتفصيلة تتعلق بالمعركة، وكانت البشائر تتوالى علينا كالغيث. كادت القلوب تتوقف من وقع ما يحدث. لم نصدق، وبدأنا نشك أننا نحلم، أو أن العالم اتفق علينا ليهدم آخر آمالنا بقوله إن ما نراه صناعةُ أستوديوهات هوليوود. لكن أمر ربّك قد أتى ونصر الله قد جاء. كان أسبوعاً لم ننم فيه، ولم نمارس حياتنا المملّة المعتادة؛ كل ما نفعله أن نشاهد، وننقل، وندعو، ونناقش، ونتوقع، منتظرين البشرى الكبرى.
كان شعوراً لم أعرف مثله يوماً، كان أكبر من أن يوصف؛ مدننا تتحرر، وجنودنا يسطرون الملاحم ويدحرون الميليشيات ويدوسونهم، بلدةً تلو الأخرى ومدينةً بعد مدينة، حتى جاء الخبر: فجر يوم الأحد، الثامن من ديسمبر/كانون الأول عام 2024، فرّ الطاغية وسقط النظام، لتشرق شمس الحرية في سوريا.
لم أتمكن من إيقاف نفسي،سالت دموعي رغماً عني، وكانت تلك أول مرة أعرف فيها معنى أن يبكي المرء من الفرح. وددت لو أني هناك في تلك اللحظة؛ أن أقبّل تراب الأرض، أن أحضن كل من أراه، أن أسجد لله شاكراً حتى ينقضي العمر، كان يوماً من أيام الله، يوماً لن أنساه في حياتي.
ومنذ تلك اللحظة، لحظة الفتح المبين، أيقنت أن لا مستحيل مع الله، وأن الأحلام أقرب مما نظن، فما من شيء عليه بعزيز.
الحمد لله الحمد لله.
24.11.2025
