
قبل شهرين من اليوم قد يسّر الله لي زيارة سوريا بعد غياب طال 14 عاماً، بعد تحويلي بطاقة الحماية المؤقتة إلى إقامة سياحية.
كانت زيارة سوريا كالحلم بالنسبة لي، فآخر سنوات الثورة جعلتنا نفقد الأمل، وكانت المؤشرات والتحليلات تشير لأن الأمور متجهة إلى ما هو أسوأ مما كانت عليه، وأن البلاد ذاهبة إلى تقسيم ودمار وخراب شامل، لكن تدبير الله القدير العزيز كان فوق كل توقّع وتحليل ومؤشر، فهو القادر على كل شيء. فالحمد لله أولاً أن أعاد بلادنا إلينا، وأن رزقنا زيارتها والعودة إليها.
كانت نيّتي من الزيارة تقييم الوضع العام، والنظر إلى الأمور بعين الفاحص والمتأمل، لأن بعض الأصدقاء ينتظرون مني تقريراً مفصلاً وشاملاً، علّه يجيب عن بعض الأسئلة التي تشغلهم منذ التحرير وحتى اللحظة.
التقييم العام كان إيجابياً جداً، والوضع -برأيي- قابل للعودة والاستقرار لكن بشروط.
مقتطفات من زيارتي إلى سوريا
– استمرت زيارتي للبلاد ما يقارب الأسبوعين (أحلى وأمتع أسبوعين)، زرت فيهما حلب مدينتي، وريف حلب، وحماة وريف دمشق ودمشق، وتنوعت الزيارات ما بين زيارة الأماكن والحارات وبين زيارة الأقارب والأصدقاء ممن ظلّوا في سوريا خلال سنوات الثورة، ومن عادوا إليها بعد التحرير.
– الراحة النفسية التي شعرت بها عند دخولي سوريا كانت شيئاً افتقدته منذ سنوات طويلة، فرغم كل التعب وضعف الخدمات، يظل لإحساس الإنسان بأنه بين أهله وفي بلده أثر لا يمكن وصفه بسهولة.
– من الأمور التي لفتت انتباهي أيضاً شعوري بالأمان وعدم الخوف، على عكس سنوات ما قبل الثورة حين كنّا نخشى حتى من شرطي المرور أو أي شخص يدّعي أنه “واصل”. وخلال إقامتي وتنقلي بين المدن والمحافظات، كنت أشعر بالارتياح أثناء المرور على الحواجز أو عند التعامل مع عناصر الأمن.
– الخدمات والبنية التحتية في سوريا متهالكة وتحتاج الكثير من الوقت لإعادة بنائها وهو ما يتطلب الصبر ومد يد العون للمساهمة في البناء كل بحسب قدرته، وأضعف الإيمان أن نتوقف عن النقد الهدّام وأن ندعو لمن يعمل بالثبات والاستمرار.
– المواصلات رخيصة للقادمين من الخارج، وبين متوسطة ومرتفعة لأهل سوريا، وقطاع المواصلات يحتاج إلى تحديث بالكامل، والسرافيس (المكرو) يجب أن تلغى نهائياً لأنها غير مخصصة للاستخدام البشري.
– الطعام والشراب أرخص نوعاً ما من تركيا، وخصوصاً المنتجات الزراعية، ولا شك أنها أزكى وأشهى بكثير، لكن الوجبات السريعة والمطاعم بدأت تلبس ثوب الأغنياء وتقدم أسعاراً من المريخ.
– الشعب باختصار متعب ومنهك، فقد ذاق ما ذاقه من ويلات الظلم والقهر خلال السنوات الماضية، ومع الأسف هناك البعض ممن اعتاد وضعه السابق ويرفض التغيير الجاري بشدة بل ويحاربه، ولاحظت أن الشكوى والتذمر أصبحا سمة حاضرة عند كثير من الناس، حتى عند بعض المقتدرين مادياً.
لكن، لماذا تقييمي العام إيجابي؟
لأن سوريا اليوم ليست كما كانت سوريا في عهد الأسد، فاليوم هناك من يعمل لأجل البلاد ولأجل الشعب رغم التقدّم البطيئ إلا أن آثار العمل والجهد المبذول يمكن ملاحظتها.
وأنا لم أنظر للأمور بعين المقارنة، فهي مجحفة وبعيدة عن الواقع، ومن يريد المقارنة بين سوريا وتركيا أو أي دولة أخرى فلا أنصحه بالعودة نهائياً.
سوريا اليوم عادت لأهلها وما نبنيه اليوم سيظل لنا ولأبنائنا وأحفادنا. وأنا متفائل مما رأيته وأراه>
التقديم بطيء؟ نعم، لكن هناك تقدم.
يوجد الكثير من الأخطاء؟ نعم، لكن هناك محاولات لإصلاحها وتفاديها.
سوريا ليست أفضل دولة بالعالم من حيث الخدمات والمعيشة وتحقيق الدخل حالياً، ومن يريدها هكذا بين ليلة وضحاها فسيصاب بخيبة أمل، ويندم على عودته ويتمنى الخروج.
ومن يريد أن يبني سوريا لتكون من أفضل دول العالم فهذا هو وقت العمل والمساهمة والبناء.
باختصار، إن كنت تبحث عن متاع الدنيا (وبدك اللقمة ع الجاهز) فسوريا ليست لك، وإن كنت ممن يرى في العودة فرصة لعمار الأرض وإصلاح الإنسان والمساهمة في البناء، فسوريا بانتظارك.
